الشيخ محمد الخضري بك
194
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
الكريم قيس بن سعد بن عبادة « 1 » فنحر لهم ثلاث جزر في كل يوم جزور . وفي اليوم الرابع أراد أن ينحر فنهاه رئيسه أبو عبيدة لأن قيسا كان أخذ تلك الجزر بدين على أبيه ، فخاف أبو عبيدة ألّا يفي له أبوه بما استدان ، فقال قيس : أترى سعدا يقضي ديون الناس ، ويطعم في المجاعة ، ولا يقضي دينا استدنته لقوم مجاهدين في سبيل اللّه ؟ ! ولما يئسوا من لقاء عدوهم رجعوا إلى المدينة ، فقال قيس بن سعد لأبيه : كنت في الجيش فجاعوا ، قال انحر ، قال نحرت ، قال : ثم : جاعو قال : انحر ، قال : نحرت ، قال : ثم جاعوا ، قال : انحر ، قال : نحرت قال : ثم جاعوا ، قال : انحر ، قال : نهيت . غزوة الفتح الأعظم إذا أراد اللّه أمرا هيّأ أسبابه ، وأزال موانعه ، فقد كان عليه الصلاة والسلام يعلم أنه لا تذلّ العرب حتى تذل قريش ، ولا تنقاد البلاد حتى تنقاد مكّة ، فكان يتشوف لفتحها ، ولكن كان يمنعه من ذلك العهود التي أعطاها قريشا في الحديبية ، وهو سيد من وفّى . ولكن إذا أراد اللّه أمرا هيّأ أسبابه ، فقد علمت أن قبيلة خزاعة دخلت في عهد رسول اللّه ، وقبيلة بني بكر دخلت في عهد قريش ، وكان بين خزاعة وبني بكر دماء في الجاهلية كمنت « 2 » نارها بظهور الإسلام ، فلمّا حصلت الهدنة ، وقف رجل من بني بكر « 3 » يتغنّى بهجاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على مسمع من رجل خزاعي ، فقام هذا وضربه فحرّك ذلك كامن الأحقاد ، وتذكّر بنو بكر ثأرهم فشدّوا العزيمة لحرب خصومهم ، واستعانوا بأوليائهم من قريش ، فأعانوهم سرا بالعدّة والرجال ، ثم توجّهوا إلى خزاعة وهم آمنون ، فقتلوا منهم ما يربو على العشرين ، ولما رأى ذلك حلفاء السيد الأمين أرسلوا منهم وفدا برياسة عمرو بن سالم الخزاعي « 4 » ليخبر
--> ( 1 ) ابن دليم الأنصاري الخزرجي ( تقدم نسبه في ترجمة والده ) . كان قيس ضخما حسنا طويلا سخيا كريما داهية حامل راية الأنصار مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان من ذوي الرأي من الناس ، شهد فتح مصر ، وكان من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير ، وقد خدم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عشر سنين ، وكان شريف قومه غير مدافع ، وشهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المشاهد ، وصحب قيس عليا وشهد معه مشاهده ثم كان مع الحسين بن علي حتى صالح معاوية ، فرجع قيس إلى المدينة وأقام بها ، مات في اخر خلافة معاوية بالمدينة . ( 2 ) اختفت . ( 3 ) هو نوفل بن معاوية الديلي . ( 4 ) هو عمرو بن سالم بن كلثوم الخزاعي وكان أحد من يحمل ألوية خزاعة يوم الفتح .